ياسر الغرباوي
خطاب الرئيس الأمريكي باراك حسين اوباما للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة شغل الجميع نخبة وعامة فى العالم العربي والإسلامي، فقبل الخطاب وقع الكثيرون فى خضم التوقعات من قبيل ماذا سيقول؟؟ وهل هناك مفاجآت سارة للعالم العربي والإسلامي ستظهر فى حنايا الخطاب؟؟. ثم جاء الخطاب الموعود وسط تصفيق الحضور، وتدحرجت كرة الثلج بعد الخطاب، وأصبح السؤال الشائع: هل استمعت للخطاب؟ وما رأيك فيه؟؟ مادة رئيسة للفضائيات والصحف ومحطات الإذاعة، فتارة يُسأل مثقف، ومرة يُسأل سياسي، وهكذا نزولاً إلي رجل الشارع العادي.
وجاء دوري فى هذه الدوامة، فقال لي صديقى المعجب بالخطاب والسعيد به إلي أبعد الحدود: ما رأيك فى خطاب أوباما؟ فقلت له لقد استمعت كما استمع غيري من أجدادي المصريين إلي خطاب أبلغ وأروع وأوقع من هذا الخطاب الذى جاء بالإنجليزية، لقد استمعنا الى خطاب بالفرنسية !!.
الخطاب الفرنساوي:
وكان ذلك تحديداً فى الأول من يوليو سنة 1798 الموافق لآخر محرم 1213 هجرية عندما أعلن القائد الفرنساوي فى الإسكندرية نابليون عن خطابه للأمة المصرية قائلاً: "من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والمساواة، السير عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرت، من زمن والسناجق يتسطلون فى البلاد المصرية ويتعاملون بالذل والاحتقار فى حق الملة الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي، فحانت الآن ساعة عقوبتهم"، ثم يستمر الخطاب النابليوني فى تمجيده للمصريين ودينهم المجيد حتى يقول لهم: " ياأيها المصريون قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح فلا تصدقوا. وقولوا للمفترين أننى ما قدمت إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وأنني أكثر من المماليك عبادة لله سبحانه وتعالي واحترام نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضاً لهم أن جميع الناس متساوون عند الله، وأن الشىء الذى يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم"، ويستمر نابليون فى عرض احترامه للثقافة والدين الإسلاميين، فيبشر المصريين بالسعادة والسرور القادم بهما من عاصمة النور باريس إلى قاهرة المعز ، فيقول: "رب العالمين رؤوف رحيم وعادل وحليم ومن الآن فصاعداً لاييأس أحد من أهالي مصر من تقلد المناصب السامية، واكتساب المراتب العالية ، فالعلماء والفضلاء والعقلاء سيدبرون الأمور وبذلك يصلح حال الأمة كلها". ويختم نابليون خطابة بالدعاء الي الله قائلاً: "والمصريون ينبغي أن يشكروا الله سبحانه وتعالي لانقضاء دولة المماليك قائلين بصوت عال، أدام الله إجلال السلطان العثماني، أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك، وأصلح حال الأمة المصرية.
فقال لي صديقى ماالعلاقة بين خطاب نابليون وخطاب أوباما ؟؟ فقلت له الأمر سهل يسير فخطاب أوباما بين أيدينا كاملاً وطازجاً ضع نسخةً منه بجوار نسخة خطاب نابليون واحكم أنت بنفسك !!
رد فعل الأمة :
وبغض النظر عن ملامح الشبة اللغوية والدلالية فى الخطابين؛ مايهمنا هنا معرفة رد فعل الأمة تجاه الخطابين، فأي خطاب يخضع لثلاثية تبادلية معروفة، هى أن هناك مرسل ومستقبل وأداة إرسال. أما المرسل فقد انتهي من خطابه وعاد من حيث أتي آخذاً معه أدواته الإعلامية والأمنية، وبقي لنا من هذه الثلاثية المستقبل (الأمه)، فماهو رد فعلها، علي هذا النوع من الخطب.
أولاً: رد الأمة المصرية على الخطاب النابليوني جاء سريعاً وخاطفاً علي الرغم من:
1- عدم وجود ذاكرة تاريخية استعمارية فى تلك الفترة بين المصريين والفرنسين.
2- الدعاوي الفرنسية الجذابة فى كونهم مخلصين للشعب المصري من المماليك وظلمهم.
3- التفوق العسكري للفرنسيين مقارنة بالمصريين الذين كان يغلب عليهم الإشتغال بمهنه الفلاحة والزراعة فى تلك الفترة.
4- انتشار الأمية بين الشعب المصري وعدم وجود وسائل إعلام تنقل الأخبار والأحداث.
لم تدخل النخب المصرية المدنية والدينية فى نقاش عقيم حول أهمية الخطاب النابليوني، والقول بأنه ربما يمثل بادرة حسن نية من الشعب الفرنسي للمجتمع المصري، ولكن انخرط الشعب كله بنخبه وشيوخه وكنائسه ومساجده وأقاليمه من الدلتا إلي الصعيد فى نضال وطنى فريد دوخ الفرنسين وكلفهم خسارة خيرة جنودهم وقادتهم، مثل القائد (كليبر) الذي قتل علي يد البطل الشهيد سليمان الحلبي، وأُجبرت الحملة الفرنسية على الخروج من البر المصري فى ظرف سنوات معدودة لا تتعدي ثلاث سنوات.
ثانياً: رد الأمة المصرية علي الخطاب الأوبامي.
اتسم رد فعل الساحة المصرية الثقافية والسياسية والاجتماعية بالهدوء والترقب وتجلي ذلك فى عدة مشاهد منها:
خلو الساحة المصرية من أى مظاهر احتجاجية على زيارة الرئيس الأمريكي وخطابه علي الرغم من وجود حركات وأحزاب مصرية تستمد قوتها الشعبية من معارضة المشروع الأمريكي فى المنطقة العربية والإسلامية مثل حركة الإخوان المسلمين وبعض الأحزاب الناصرية.
-كثير من النخب الثقافية والسياسية اعتبرت الخطاب ومكانه وزمانه هو دلالة رمزية لمكانة مصر التاريخية والحضارية.
كثير من النخب وقادة الأحزاب لبت دعوات حضور الخطاب والاستماع إليه واعتبروا ذلك فرصة لتأكيد حضورهم فى الساحة السياسية المصرية.
فى نهاية المطاف المشهد الكلي المصاحب للخطاب الأوبامي فى يوم 4 / يونيو/ 2009 كان هدوءاً فى الشارع الثقافي والسياسي والاجتماعي بشكل عام على الرغم من أن مشاهد الإستكبار الأمريكي فى المنطقة العربية والإسلامية ما تزال شاهدة أمام العيان فى العراق وأفغاستان وما حرب غزة منا ببعيد، والتى لم يشر إليها الرئيس الأمريكي فى خطابه لو عرضاً ، وأعلن فى المقابل صراحة الإنحياز الأمريكي لأمن اسرائيل ومعتبراً التحالف الأمريكي- الإسرائيلي مسألةً لاتقبل الإنفكاك والإنفصام !!!
ولاينبغي أن يفهم مما تقدم دعوتي إلي استقبال الخطاب الأوبامي بنفس الأسلوب والطريقة التى استقبل بها أجدادنا المصريون الحملة الفرنسية وقائدها نابليون، وإلا أكون كمن يغرد خارج سياق الزمن ووقائع الأحداث، ولكن كان من المفترض أن ترسل النخب المصرية والشارع المصري رسائل احتجاجية قوية للرئيس اوباما على مظالم الإدارة الأمريكية السابقة وأفعالها النكراء فى الساحة العربية والإسلامية، فلا تعارض بين حسن الإستماع للخطاب والترحيب بالجيد فيه وبين مظاهر الاحتجاج والإعتراض والغضب الشعبي من أجل حقوقنا المغتصبة فى فلسطين الحبيبة وأفغاستان الجريحة والعراق المحتل وغيرها من البلدان التى تئن تحت وطأة الظلم والإستكبار الأمريكي والصهيوني، وهذا ما حدث عند زيارة أوباما لتركيا، حين خرجت المظاهرات المعارضة للسياسية الأمريكية فى الساحة الإسلامية والعربية ، وهذه الإحتجاجات الشعبية من المفترض أنها ترسل ثلاث رسائل مفادها:
1- الاستياء من ظلم وجبروت الإدارة الأمريكية السابقة فى عهد الرئيس بوش.
2- رسالة أمل وتمني وتأيد للرئيس اوباما ربما تساعده في رفع الظلم والعدوان الذى أحدثته الإدارة السابقة.
3- براعة الرئيس الأمريكي فى الخطابة والحديث لن تكون لها قيمة حقيقة عند الشعوب والأمم الإسلامية إذا لم تتبعها حقائق على الأرض تتمثل فى سحب القوات الأمريكية والأساطيل البحرية من الساحة العربية والإسلامية والكف عن الظلم والعدوان على شعوب المنطقة ، فعبر رسائل الترحيب بالرئيس الجديد ومشاعر الغضب من الإدارة السابقة يمكن للصوت العربي والإسلامي أن يجد له صدى فى أروقة البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي.
لمزيد من التفاصيل حول خطاب المستعمرين اضغط على هذا الرابط
http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/06/article01a.shtml